السبت، 21 مارس 2015

آدم - الفصل الأول






- "آدم، لقد رحلت والدتك"
- "رحلت إلى أين؟"
- "ذهبت إلى الأعلى، لتراقبك من هناك"

قالها والدي بصوت حزين بعد أن ربت على رأسي و من ثم احتضنني، كنت حينها في الثالثة من عمري..

- "آدم، أحضرت لك أما جديدة"
- "هل تشبه أمي؟"
- "لا، لكنها ستحاول ان تكون مثلها"
كان والدي يبدو سعيداً، و أنا أيضا سعدت لأني سأحضى بأم من جديد.. كنت في الرابعة يومها..

- "مؤلم، مؤلم، مؤلم.. الأم شخص يؤلم بشده"
أذكر حين كنت أفكر بتلك الأشياء أسفل طاولة الطعام حيث كنت مختبئا منها، و أذكر بكائي ألما بسبب ضربها المبرح لي يومياً..

- "آدم، ستصبح أخاً"

- "و ما هو الأخ؟"

- "هو شخص سيتقاسم معظم حياته معك"

سررت لسماع هذا الخبر، أخيرا سيأتي من يحمل عني نصف الضرب الذي أناله من هذه الأم..

و حين بلغت الخامسة، جاءت تلك اللحظة أخيرا.. إنها فتاة، أختي التي سأتقلسم معها آلامي..
لكن مهلا..

لِمَ تنعم هي بكل ذاك الرغد و أنا أُضرب و أُهان؟
هذا التساؤل الذي بقي يصدح في نفسي طيلة السنوات الخمس الماضية..
بَلَغت الآن الخامسة من عمرها.. يجب أن تجرب الألم الذي سئمت منه..

كنتُ واقفا أمام المرآة، رافعاً قميصي للأعلى، و أنظر لجذعي المليء بآثار القرص و الضرب التي كانت ألوانها متنوعة بين البني، الأزرق، و الأحمر..
انزعجتُ من صوت لعب سارا المرح الذي يملأ المنزل، فالتفتُ إليها لأراها تلعب باستمتاع بإحدى الدمى التي جلبتها والدتها لها..
أخفضتُ قميصي و أسرعتُ نحوها صائحا باسمها "سارا"
 أخذت الدمية من يدها و رميتها بعيدا, وجهت لها صفعة مليئة بالحقد على خدها الأيسر، همست باذنها بغضب و انا اقرصها:

- "لا تظهري هذه السعادة أمامي، مللت من رؤية ابتسامتك، ألا يمكنك البكاء قليلا؟"

رفعت ناظريها إلي و بدأت عيناها تدمعان، لم تصدر صوتا, لقد بكت بصمت كعادتها
ابتسمت و قلت:

- "هكذا أفضل"

ابتعدتُ عنها و أسررت في خلدي بحنق
 "حين أكون حزيناً يجب أن تكون هي كذلك"
 نعم..

الضرب الذي أناله من زوجة والدي قد طال روحي ليجعلني أرغب في تفريغ ذلك الألم بأي كان، و من قد يكون أفضل من اختي المدللة سارا، التي تحظى بكل ما تريد و ما لا اريد كذلك..
كلما رأيتها مستمتعة  سأذهب لأفسد عليها الأمر, بالطبع حين لا تكون امها فالمنزل
سأحطم دماها، و سأضربها.. يجب ان تجرع الكأس الي جُرعتها صغيرا, يجب أن تعاني كما عانيت في صغري.
سأغيضك بخروجي من المنزل ايته المريضه الغير قادره على الوقوف في وضح النهار, سأشتري ما لذ وطاب من البقاله و آكله أمامك كي تحترق لهفتك لرؤيه العالم الخارجي و تحترقي معها.


كنت اوشك على الخروج لأشتري بعض الحلوى من البقاله عندنا شدتني الحمقاء ابنه أمها المدلـله لتطلب مني ان اصطحبها معي. هذه المره الألف التي ارفض بها الطلب مع ركله مني لتطرحها ارضا بعيدا لكن لم هي اليوم تصر على الذهاب!

"لا بأس يا حمقاء سآخذك معي, لن احملك لن اهتم لك و ان وقعتي في منتصف الشارع لن اعود لك, ستموتي تحت الشمس"

ابتسمت و نحن في الطريق و أخذت تغني " أنا مع آدم ذاهبه للبقاله.. أنا مع آدم ذاهبه للبقاله ههه أنا مع آدم للبقاله للبقاله"

يا الهي كم هي مزعجه, أعطيتها صفعه "أخرسي ايته البلهاء المريضه"

اجتمعت الدموع وسط عينيها " آسفه أخي .. لا تغضب علي"

دخلنا للمتجر, أرادت الغبيه أن تشتري علكه الفراوله  بدأت تبكي و هي تشدني من قميصي

" آدم آدم اريد هذا ارجوك أخي اريد هذا"

"لن تشتري شيئا فقط كحلي عينيكي بالحلوى و اخرسي"

لم انتبه أني كنت اصرخ فكان الناس يحدقون بنا, بسبب الموقف الغبي اظطررت ان اشتري لها العلكه الغبيه.


 بعد خروجنا من المتجر, كانت الشمس ساطعه فاخذت وجنتيها تُكسى بالحمره, أخذت تلهث و قلبي يرقص فرحا, هيا تذوقي الألم فأنا اتجرعه كل يوم. بدأت تتدهور حالها فأصابني القلق, سيتم ضربي لكن لا بأس لن أكون وحدي فهي ايضا يملأها الألم الآن. كان بدنها قد ضعف فلم تقوى على حمل كيس البقاله حتى, أوقعته وسط الشارع.

أفلتتُ يدها بغضب " أحمقاءُ أنتي !!؟ ألا تقوي على حمل كيس أخف من ريش الطير!؟ "

تأفف منها " انتظري هنا عند الرصيف ريثما احضر الكيس لك "
نظرت بعيني و ابتسمت بوجها المنفوخ و وجنتيها الحمراوين و عينيها المليئه بالدموع " شكرا اخي"

الشارع خالٍ من الماره و من السيارات و الشمس حرارتها شديده. خاطبت نفسي:
" الحمقاء مرضها انعدام الميلانين ماذا لو ماتت هنا, سأرتاح من تنغيصها لكن لن يشفى غليلي اريد ان اوبخها و أاذيها كل يوم كما تفعل امها"

سمعت صراخا خلفي..

- "أخي، ابتعد من هنا.. سيارات كثيرة"

التفت يميناً و يساراً  باحثا عن السيارات التي تقصدها، لكن لم أرٓ أي شيء، ضحكت في سري قائلاً:

- "هه، لقد بدأت تهلوس.. يفترض أن تكوني سعيدة الآن يا سارا لأني قد أموت هنا"

- "أخي آدم، ابتعد من هناك أرجوك, أخي العزيز ابتعد"

أسرعت بالجري نحوي و امسكت يدي بشدة لتسحبني في محاولة منها لابعادي عن الشارع، كانت تبكي أثناء ذلك بمرارة و تقول:

- "لا تتركني يا أخي، أي شخص الا انت, لا ترحل عني كما رحل جدي"

بعد أن قالت ذلك، انهارت و فقدت وعيها بينما لا تزال ممسكة بيدي متمتمةً بأشياء مبهمة..

دُهشت من موقفها و كلامها!..
خاطبت نفسي:
- "هذه الطفلة التي أذقتها الأمرين، الطفلة التي لم أقم قط  باللعب معها الا لكي اوذيها او أجرحها, الطفله التي طالما اريتها الكره و البغض، متعلقة بي هكذا!.. لماذا؟! لا اصدق أنها قالت أخي العزيز, لا تتركني!"

أشفقت على حالها حين استشعرتُ صعوبة تنفسها.. فـ حملتُها بين ذراعي و عدتُ بها إلى المنزل لأجد زوجة والدي هناك..

استشاطت غضبا حين رأتها معي, أخذت ابنتها بعنف و وضعتها في سريرها، قامت بما يجب فعله ان اصاب ابها اي امر مشابه لما حدث الآن. بعض المسكنات و الادويه و الابر.
انتهت من العنايه بسارا فأسرعت نحوي و انهالت علي ضربا و تشتيما

- "أعلم بأنك تعمدت فعل ذلك، لأنك تغار منها، هي مدلله هي محبوبه, هي تملك أماً أما أنت فـ لا"

كلماتها تلك، كانت أقسى علي من الضرب الذي تلقيته خلال الخمس سنوات الماضية جمعاً.

-"ليس لدي أُم!.. أُم"

اصبحت رؤيتي ضبابيه, تسابقت الدموع في عيني من منها ينزل أولا, خطفت صور و ذكريات لامي, كنت صغيرا جدا لكن اذكر عناقها الحاني و صوتها الرخيم, اذكر الدفءَ في قبلاتها و الحب في حضنها. اقشعر بدني من ألم الذكرى الذي حسبتني نسيته.
بكيت بغصه و وجع قلبي يزداد

- "أمي.. أمي"

جثيت على الأرض أبكي مراً، بينما استمرت زوجة والدي بقذفي بكلماتها التي كانت كالسهام السامة.. و خلال تلك المعمعة، استفاقت سارا وسط تلك الضجه واستعادت وعيها، أسرعت بالنهوض, جائت للصاله حيث كنا, وقفت بجواري بعد ان ساعدتني على النهوق كانت تحاول أن تبعد عني الأذى, كانت تتمنى أن توقفه منذ زمن بعيد..
أمسكت بقميصي و صرخت في وجه والدتها:

- " أمي، توقفي عن إيلام أخي"

صفعتها سوزان لتبعدها عني, كنت قد استوعبت لتو بأني أخُ سارا الأكبر, أخيها الذي يتشارك معها نصف دمه، حتى و إن كانت والدتها سيئة فلا يجب أن أنتقم منها خلال أختي، علي أن أرد الأذى لها هي بعينها.

صحت عالياً:

- " إن كنتِ ترغبي ضَربَ أحدهم فاضربيني أنا،  لا تمسي سارا "

نظرت إلي لترى الغضب الذي تجسد في عيني، و حاولت ضربي, لكن كفا, لست ذاك الطفل الآن.
أمسكت يدها و حان دوري لأرد لك جميل ما ربيتني عليه يا زوجه أبي.الآن دوري في الشتم و الضرب انتقاماً، أعضضتها شددت شعرها بقوة ,و سارا كانت جالسة على الأرض تبكي..

" توقفا كليكما "

في هذه اللحظة، دخل أبي للمنزل, دخل و رآنا بهذا المنظر, أسرع  في ابعادي عنها و انيابي كانت مغروسه في كتفها.
 نهضت سوزي و تتصنعت دور الضحية المكلومة التي لا تعلم سبب ما فعله آدم لها.. رغم انها ربتني و علمتني و كبرتني!

- " انظر إلى ابنك و ما فعله بي و بابنتنا سارا.. هذا الولد الذي عاملته كابن لي، أنكر صنيعي نحوه و قام بشتمي و ضربي، و لم تكن تلك مرته الأولى, انظر لأثر انيابه على يدي"

أتتني صفعة قوية من والدي، فالتفت لأمنحه ابتسامة صمودي و عدم رغبتي بالبكاء.. و قلت ساخراً:

- "هل تظن بأن صفعتك آلمتني؟ لا يوجد ألم يضاهي ألم فقداني والدتي"

- "اعتذر من أمك في الحال"
قالها أبي بحدة.
ضحكت  ثم رددت عليه بغضب:

- "أمي !! .. هيهات أن تكون هذه أمي"

صعدت لغرفتي, جمعت بعضا من أغراضي في حقيبه، نزلت متوجها نحو باب المنزل و صحتُ بانفعال:

- " سأترك هذه العائلة التعيسة و هذا المنزل لكم.."

لحقت بي سارا و أمسكت ساقي قائلة أثناء بكائها:

- " كلا ..  كلا..  لا ترحل يا أخي و تتركني هنا مثلما فعل جدي، أنت الشخص الوحيد الذي كان  يشعرني بأني موجودة "

لم يكن في مخططي ابدا الخروج كنت احاول اخافةَ أبي، لكني لم أتوقع أن يقوم هو بفتح الباب لي و أمري بالخروج على الفور.
 ختم آخر حديث له معي بقوله:

- " أنت لم تعد ابني منذ هذه اللحظة, آدم قت مات بالنسبه لي"

غلف البرود قلبي تجاه والدي.  أظهرت سوزان  ابتسامة انتصار من خلف الرجل الذي كان أبي.
وجهتُ نظري لأختي, كانت ما تزال ممسكةً بساقي, و تشهق باكيه:

 " كلا يا آدم أنا أحبك لا تتركني وحدي مع الدمى و الفراغ "

انخفضت إليها و قبضت على كلتا يديها ثم قلت هامسا لها:

- " انتظري ريثما أكبر و أتمكن من الوقوف على قدمي، سآتي لإخراجك من هذا المكان.. هذا وعد مني"


خرجتُ من المنزل مرتدياً بيجامتي الخفيفة، حاملا حقيبتي المدرسية و كيسا يحوي بدلة و بعض الملابس الداخلية، و كذلك أخذت جميع النقود التي كنت أدخرها من مصروفي اليومي معي..
لا أزال في العاشرة من عمري، لا أرغب أن يعلم أحد بأمر كوني بلا عائلة الآن،  لا أُريد أن يتم احتجازي في ملجئ للأيتام إلى أن أبلغ سن الرشد.
 يجب أن أبحث عن عمل أكسب منه أجرا و إن كان ضئيلا. و علي البحث عن مكان أبيت فيه .. مهلا أنا في منطقه أخرى الآن... يبدو أن مسيري كان طويلا و أنا غارق في أفكاري, حسنا لدي خيارين, الأول الكنيسه المقدسه حيث سيقوم المسيح يسوع بحماتيتي, او المسجد حيث الناس المخيفه هناك. سأختار الكنيسه كوني مسيحي لكنها تغلق أبوابها ليلا ولا يسمح لأحد بالمبيت هناك لذا أنا مرغم على الخيار الثاني... المسجد!

دخلته و أنا مندهش يبدو جميلا من الداخل, مزركش برسومات منمنمه صغيره و ألوان زاهيه, المكان معطر و جميل! لم يعطرونه في المساء لا أحد يأتي هنا. فالكنيسه نجتمع كل أحد هل هم مثلنا؟ لا يهم يجب ان أنام.
صحوت في الصباح لأجد المكان مكتظ بالناس, كانو يمارسون طقوسا غريبه! اظنهم يصلون؟ كلهم سطره واحد بنفس الحركات نفس الكلمات .. اندهشت من ذلك! كان شيئا جميلا ملأ قلبي شعور غريب.
خرجت من المكان لأجد دوره مياه مجهزة بالكامل..
لا يوجد ذلك في الكنيسه !! أحببت المكان جدا.

بعد أن غسلت وجهي و رويت ضمئي  خرجت باحثا عن عمل في الأرجاء، و لحسن حظي أن اليوم يصادف إجازة اسبوعية, بعد بحث متواصل تم قبولي للعمل في مطعم متواضع يملكه زوجين عجوزين طيبين، سأعمل فيه بغسل الأطباق و مسح الأرضية عصراً، وجدت عملا آخر في متجر خردة مجاور لحديقة من الأشجار الكثيفة, سأعمل هناك في تنظيف المستلزمات و الأرفف مساءاً.

كان التعب ينال مني دائما، أكره كوني صغيرا أُجهَد بسرعه, لكن لا بأس سأدرس و سأعمل
سأصنع لي اسما و سيكون لي صيتا.
عدت فالمساء بعد أن أنهيت عملي في محل الخرده لأخذ قسطا من الراحه في المسجد , الذي تغيرت نظرتي له.




يتبع.

هناك تعليق واحد:

  1. مسكين آدم رحمته =(
    اكلها تقرص و ضرب بس لأن ما عنده أم <=(!
    و مسكينة سارا حظها تبن جات مريضة ><"
    انتظر التتمة
    و شسمه تكملة قصة دوتسي ><

    ردحذف